خارج الصندوقسياسيات متناقضة

ميثاق اللجوء في أوروبا.. ملف يكشف سلسلة من التناقضات

خاص – نبض الشام

انتشر خلال الأيام الماضية ادعاء واسع القبول يزعم أن البرلمان الأوروبي أقرّ “ميثاق الهجرة واللجوء” الجديد، بما يلزم جميع دول الاتحاد باستقبال المهاجرين غير الشرعيين أو دفع غرامات مالية كبيرة. ورغم انتشار هذا الادعاء على منصة X، فإن الوقائع تشير إلى سلسلة من التناقضات بين ما يُتداول على منصات التواصل وما يحصل فعليًا في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

أول هذه التناقضات يظهر في الفيديو الذي أُعيد تداوله بوصفه دليلًا على التصويت. فالمقطع قديم ويعود إلى أبريل/نيسان 2024، حين اقتحم نشطاء جلسة للبرلمان الأوروبي وعرقلوا تصويتاً مختلفاً تماماً عن الحزمة الحالية. ومع ذلك، جرى توظيفه اليوم في سياق لا علاقة له بمضمونه الأصلي، مما خلق انطباعاً مضللًا بأن البرلمان صوّت بالفعل على تشريع يلزم الدول الأعضاء باستقبال مهاجرين أو دفع غرامات.

التناقض الثاني يكمن في طبيعة القرارات التي اتخذها وزراء الداخلية الأوروبيون في بروكسل. فما جرى في ديسمبر ليس تشريعاً نهائياً، بل اتفاق أولي داخل مجلس وزراء الداخلية، يحتاج إلى تصويت البرلمان الأوروبي قبل أن يصبح نافذًا. ورغم ذلك، تُصوّره بعض المنشورات على أنه قانون مُلزِم دخل حيز التطبيق، مع أن الإجراءات الحالية لا تزال جزءًا من مسار تفاوضي قد يطرأ عليه تغيير قبل اعتماده رسميًا.

وتبرز مفارقة أخرى في الجدل الدائر حول فكرة “الإلزام”. فالروايات المتداولة تقول إن كل دولة أوروبية أصبحت مجبرة على استقبال مهاجرين، بينما تعتمد الحزمة بروحها العامة على مفهوم التضامن المرن، أي إمكانية أن تختار الدولة شكل مساهمتها، سواء عبر إعادة توطين بعض طالبي اللجوء أو عبر تقديم دعم مالي أو عبر إجراءات بديلة. ورغم أن التضامن في حد ذاته عنصر إلزامي، فإن شكل هذا التضامن ليس واحداً ولا ينحصر في استقبال المهاجرين كما يروَّج في بعض الادعاءات.

وتتسع دائرة التناقضات عند النظر إلى اعتراض المجر. فقد هاجم رئيس الوزراء فيكتور أوربان الاتفاق واعتبره محاولة لإجبار بودابست على استقبال مهاجرين أو دفع أموال، مع أن المجر ليست من الدول التي تواجه ضغطاً كبيراً في ملف الهجرة وفق تقييمات المفوضية الأوروبية ومنظمة الهجرة الدولية، مما يعني أنها ليست مستهدفة فعلياً بجهود التضامن التي تركز على دول متوسطية مثل إيطاليا واليونان وقبرص وإسبانيا. ورغم هذه البيانات، تستمر بودابست في تصوير الاتفاق باعتباره تهديداً مباشراً لها، في مفارقة تعكس توظيف الهجرة في النزاع السياسي الداخلي.

يتواصل الجدل عند الحديث عن “لائحة العودة”، وهي الخطة التي تهدف إلى تسريع ترحيل الأشخاص غير الحاصلين على إقامة قانونية. فهذه اللائحة تستند إلى قوائم “دول آمنة” تشمل دولًا توصف أحيانًا بأنها مستقرة، لكنها تشهد نقاشات مستمرة حول أوضاعها الحقوقية. ووجود دول مثل تونس وتركيا ضمن القائمة يثير مفارقة إضافية، إذ يقدم الاتحاد الأوروبي نفسه كمدافع عن المعايير الحقوقية الصارمة، بينما يختار دولًا مثيرة للجدل ليُعاد إليها طالبو لجوء.

وبين تشديد الإجراءات وارتفاع الضغوط السياسية من الأحزاب اليمينية، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام تناقض بنيوي آخر: فهو يسعى من جهة إلى السيطرة على الهجرة غير النظامية وتسريع الإجراءات، لكنه يحرص من جهة أخرى على التمسك بالقيم الحقوقية التي تشكل جزءًا من هويته المؤسسية، مما يجعل كل خطوة في هذا الملف معرضة لانتقادات متعاكسة.

في النهاية، يكشف الجدل الأخير حول “ميثاق الهجرة واللجوء” أن القضية لا تُختزل في منشور متداول ولا في فيديو يعاد نشره خارج سياقه. فالنقاش الحقيقي أكثر تعقيداً، تتخلله اختلافات بين مؤسسات الاتحاد، وتوترات سياسية داخل الدول الأعضاء، وبيانات تُقرأ بطريقة انتقائية، وخطابات تستثمر في المخاوف العامة. وبين هذه التناقضات، يستمر الملف حبيساً بين ضرورات الإدارة الواقعية للهجرة وبين صراع السرديات الذي يغيّب أحياناً جوهر النقاش لصالح الضجيج.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى